يوميّات طفولة 8
- بهاي العطلة صارت معي كتير إشيا حلوة.
- هاتِ خبريني!
- تعرّفت على كتير حيوانات صاروا أصدقائي! إمي جابتلي ببغاوات تنتين، سمّيتهن روميو وجولييت. بطعميهن وبشرّبهن، وبيضلو يزقزقوا طول النهار والليل، لونهن أصفر بيجننو، زغار. وفي بسّة تعرّفت عليها وصارت تضلّ عندي وسمّيتها ساندي بيل وإسا حاسستها حبلى، إمي سألتني كيف عرفتِ إنها حبلى؟ قلتلها لإنه بطنها كبير وهدول الصدور الزغار تبعونها نافخين (تقولها بخجل).
- محلاه… إسا اذا بتخلف عندك بيصير عندي كتير بسس إلك، بتعتني فيهن إنت وساندي بيل سوا.
- من زمان كان نفسي بأنثى، بسّة، تخلف عندي، وأشوفها كيف بتربّي ولادها، ويكبروا حدّي…
- شكله اسا بدّه يصير عندك هاي التجربة الحلوة.. إنتِ ديري بالك عالبسّة وأكيد إذا حسّت بالامان معك بتخلّف عندك.
- وكمان في حمامة أجت على شبّاكي، شبّاكي مكسور، فاتت، وبنت عشّها، وباضت فيه بيضتين.
- كمان؟! محلاه! روعة! Continue reading
رسالة حبّ بالمصري
هذه المقالة ساخرة، هزليّة، غير حقيقية، غير موضوعيّة وغير محايدة. والحاجة الوحيدة الجدّ في هذه المقالة هيّ أنها كُتبت من أجل راجل واحد في العالم ده، راجل أقلّ ما يمكن وصفه إنه “زيّ القمر”، لأ لأ! مش كده! مش من أوّلها! عيب! هوّ الراجل ده اللي أنا قصدي عليه، بيتميّز بحاجات كتيرة مستاهلة يتكتب عنها، أهمّها إنّه.. إنه راجل بيشتغل صحّ وبيتعب أوي وبيحلم بالتغيير وبيكافح علشان يحققه، وهوّ راجل عظيم لأنّ التغيير في عصر الجمود اللي إحنا بيه ده يُعتبر انجاز فريد من نوعه. الراجل ده اللي بتكلّم عنه إسمه.. إسمه؟
Continue reading
فلسطين مش قضيّة شرف
منذ أن شاهدتُ الحلقة الخاصّة بحيفا في برنامج كلام نواعم (1) على تلفزيون MBC والتي ظهرتُ بها أنا كـ “مدوّنة ناشطة”، وقعتُ في حيرة شديدة من أمري. وسألتُ نفسي أسئلة كثيرة، أهمّها: من أنا؟!
اليوم بعد أن أجبتُ على هذا السؤال، وكتبتُ بيوغرافيا من أجل كتابي الأوّل (2) – الذي سيُنشر قريبًا، أشعر أنني قد نفضتُ عني ما يكفي من غبار تلك الحيرة، كي أرى بوضوح ما اختبأ خلف كواليس التلفزيون، وكي أكتب قليلا.
أظرف ما في الأمر، أنني كنتُ حين ألتقي بالناس في الشهر الأخير، أسمعهم فورًا يقولون لي “شفناكي بحيفا أحلى!” وكأنّ هذا صار عنوان التقرير التلفزيوني!
القصّة غريبة.
بخصوص التلفزيون، فهذا الاختراع ليس جزءًا من حياتي منذ نحو ثماني سنوات. أمّا كيف وصلتُ أنا إلى النواعم؟ لم أصل. مدوّنتي قادت محطّة MBC إليّ، أو بالأحرى هي مقالة واحدة نشرتُها في المدوّنة، وأسميتها يومها “حيفا أحلى“. سألتني أوكتافيا، إحدى مذيعات البرنامج التي جاءت إلينا هنا “عبير ليش حيفا أحلى؟”، ولم تسمع إجابتي في غمرة الأسئلة والأحاديث الكثيرة التي دارت بيننا في يوم التصوير الطويل الذي كان لنا معًا قبل أكثر من شهر.
من خلال الحلقة، شعرتُ أنهم يريدون تقديمنا إلى العالم العربي الذي لا يعرفنا بما فيه الكفاية. نحن هنا، فئة الفلسطينيين اللذين بقوا في بلادهم بعد قيام دولة إسرائيل، كنّا حتى نحو عشر سنوات مضت، خارج معادلات العالم العربي والغربي. ففي الواقع، صارت نكبة (3)، نحن بقينا هنا، أعطونا هويّات إسرائيليّة، وعُزلنا عن العالم. حتى اخترعوا الانترنت.
هذا ليس تاريخًا يُدوّن في كتاب، بقدر هو تجربتنا الإنسانيّة، أو حتى العاطفيّة، نحن فئة الفلسطينيين اللذين بقوا. هل تعرفون معنى أن تكونوا معزولين عن العالم؟ داخل وطن يفقد أسماءه الأولى؟ نحن عرب 48، أو فلسطينيو 48، أو عرب الداخل، لا يهمّ الآن! فقط دعوا هذا المصطلح ينحفر في ذاكرتكم مرّة واحدة الآن وإلى الأبد! فقد صرتُ غير قادرة على كبح غضبي عليكم حين تسألون: “عن جد في فلسطينيّة بإسرائيل؟”.
من أنا؟
أنا عبير، فلسطينية من الجيل الثالث بعد النكبة، حاملة لهويّة إسرائيليّة. أصلي يعود إلى قريتين في الجليل: “كفركنا” – حيث بيت أهلي اليوم، “معلول” – ولا بيوت هناك منذ النكبة. ولدتُ عام 1984 في حيفا، وعشتُ فيها أحد عشر سنة، ثمّ تنقّلت كثيرًا، في المدارس والجامعات وأماكن العمل، بين كفركنا والناصرة وتل أبيب وبئر السبع (4). رأيت وصادقت وأحببتُ الكثيرين هنا، عربًا ويهودًا، وأنا في تفاصيل حياتي أشبه الكثيرين من أبناء جيلي. قبل نحو عشر سنوات “أبوي جابلنا إنترنت، وأخوي عملّلي إيميل، وصرت أتصفّح مواقع وأحكي مع عرب برّا!”. اليوم لديّ أصدقاء من كلّ العالم: فلسطينيّون هنا، فلسطينيّون في الضفة الغربيّة وغزة، فلسطينيّون في الشتات، سوريّون ولبنانيّون. وقبل ثلاث سنوات خلقتُ هذه المدوّنة كي أحكي معكم.
هل أجبتُ جيّدًا؟ من أنا؟
ولكنّني كعبير، نقطة في بحر تاريخ يمتدّ على طريق خمس وستّين سنة، خلالها حدثت أشياء كثيرة على الصعيد الواسع، فبعد النكبة (التي تشهد على فنون الخيانة العربيّة لفلسطين)، جاءت نكسة (بها ضاع الجولان والقدس والضفة وغزة وسيناء من أيادي العرب في غضون ستة أيام)، ثمّ حدثت معركة أسموها الكرامة (قتل فيها الملك حسين بن طلال ما استطاع من الفلسطينيين). في حرب تشرين استردّ العرب بعض ما ضاع من مصر وسوريا. ثمّ بدأ عهد المعاهدات بين العرب وإسرائيل، لكنّ ذلك لم يمنع إسرائيل من اجتياح جنوب لبنان، حيث اشتركت الكتائب اللبنانية مع الجيش الاسرائيلي بذبح الفلسطينيين في مخيّمي شاتيلا وصبرا، وهكذا… من معركة إلى مجزرة إلى حرب. وكانت النتيجة تطوّر العرب “عسكريّا”، فصاروا يقذفون عدوّتهم إسرائيل بالصواريخ، من أجل القضيّة، كما في حرب 2006 مع حزب الله اللبناني، كذلك في حربين مع غزة في 2008 و 2012 (3).
كلّ هذا حدث ولم يسألنا أحد من الطرفين عن رأينا، نحن فئة الفلسطينييّن الذين بقوا هنا! هل تذكروننا؟ نحن هنا!
نحن تلك الفئة التي بقيت داخل هذه البلاد الصغيرة، ربّما لأنّ أجدادنا تمسّكوا أكثر ببيوتهم، وربّما لأنّ مجريات الحرب في النكبة ساهمت ببقائهم سالمين وآمنين أكثر من غيرهم. المهمّ أننا اليوم هنا، وقد صرنا شعبًا فريدًا من نوعه.
في الواقع أنا أنتمي إلى شعب يتحدّر من شعب تشتّت، ويعيش مع شعب آخر جمّع شتاته هنا.
ونحن فريدون جدًا لأننا نعرف أننا وحدنا الوجه الأوّل والأخير للماضي والحاضر والمستقبل هنا (إلا إذا نجح اللاجئون بالعودة ذات يوم).
ونحن الوحيدون اللذين نرى كلّ ما يحدث في جانبيْ هذا الصراع العبثي.
وليس هذا فحسب!
Continue reading
أحبّكِ، هل تعرفين كم؟
مرّة أخرى عاد الربيع.
عاد ونادى إليّ كلّ العصافير التي ودّعتني في الخريف.
أمّا أنتِ يا صغيرة، فما زلتِ هنا، حاضرة بغيابكِ، كما في كلّ آذار مضى، وأنا ما زلتُ بانتظاركِ، ولكن…
تغيّرت أشياء كثيرة… هل تريدينني أن أخبركِ؟
هل أخبركِ عن آلة تصويري التي لم أعد أحملها معي أينما ذهبتُ؟ لأنّ العالم لم يعد يُدهشني؟
أم أخبركِ عن مذكّراتي التي لم أعد أعدّ صفحاتها؟ أم عن مدوّنتي المهداة إليكِ؟ والتي صارت سلاحي الوحيد – أطلق به نيراني على كلّ أولئكَ الذين يخرّبون عقولنا وحياتنا بهرائهم؟
أم أخبركِ عن عملي؟ وأحكي لكِ قصص الأطفال الحزينة التي تملأ رأسي؟
ماذا أقول لكِ يا صغيرتي؟ وأنتِ التي من أجلها خلقتُ هذه المدوّنة؟
ماذا أكتب لكِ؟ وأنتِ التي من أجلها، أفعل كلّ ما أفعل في الحياة؟
هذا العالم يصير مجنونًا أكثر كلّ يوم، وأنا ما زلتُ لا أملك أن أغيّر به الشيء الكثير. فهل ما زلتُ أريدكِ هنا؟ Continue reading
الخُضْريّة: حقيقة انتمائنا الوحيدة
“الخُضْريّة” ليست فقط اسم آخر كتاب قرأته، أو مجرّد مصطلح ابتُكر حديثًا*، بل هي رسالة حياة، تحتضن داخلها كلّ ما يمكن احتضانه في عالمنا هذا: الإنسان، كلّ المخلوقات وكوكبنا الأرض.
كنتُ قد بدأتُ بقراءة الخضريّة قبل شهر لأنني نباتيّة. فأنا، كما يعلم المقرّبون، لا آكل أيّ شيء له عيون، بدافع حبّي للحيوانات، ورفضي لأن تدخل جثّة إلى جسدي، وإحساسي بالذنب تجاه كلّ مخلوق يموت فقط ليصير وجبة في صحني أنا.
هكذا بدأ توجّهي للكتاب، الذي ظننته سيعطيني إرشادات طبّية، حول كيفيّة الحفاظ على صحّتي دون الحاجة إلى استغلال الحيوانات في طعامي، لكنّني كنتُ كلّما تقدّمتُ في القراءة أجد أنّ هذا الكتاب يحاول أن يقول لنا شيئا آخر، أكبر وأعلى.
إليكم ما تعلّمته من الكتاب، لخّصته لي ولكم، بالاستعانة بثلاثة مشاهد من مذكّراتي الشخصيّة، تزامنتْ مع قراءتي للخُضْريّة:
يوميّات طفولة 7
- هديك المرة أنا قلت لحالي خلص بدي أتعرّف!
- تتعرّفي على مين؟
- على حدا بالانترنت. هيك حاسة إني بحاجة أحبّ حدا، وحدا يحبّني، ولقيت عالانترنت غرف تشات، دخلت وحطيت إنه إسمي لميس وعمري 20. والتقيت بحدا اسمه فادي من لبنان وعمره 25.
- شعورك طبيعي. طبيعي تحسّي حالك بدك تحبّي وتنحبّي. بس بوافقكيش تقدّمي حالك للعالم غلط. متلا ليش كبّرتِ حالك؟
- لأني بعدني زغيرة، ويمكن ما حداش يحبّني إذا عرف عمري الحقيقي.
- طيب وحكيتوا مع بعض إنتِ وفادي؟
- حكينا، وطلب يشوف صورتي. فكّرته بدّه يشوف وجهي. طلع بدو يشوف إشي تاني، الوسخ.
- ايش طلع بدو يشوف؟ قوليلي.
- …
- بدو اياكي تشلحي متلا؟
- آه.
- وشو ساويتي؟
- سكّرت الصفحة وحكيت لإمي، قامت عصّبت وبهدلتني، وشرحتلي إنه هاد حرام، وبيرضيش ربّنا، وإنه الإنترنت كلّه سفالة، وممنوع أستعمله بالمرّة مشان أتعرّف على الناس، لأنه الناس المنيحة هيّي اللي بتيجي من الباب، حسب الأصول، وفهّمتني إنه مستحيل حدا يحبّني من الانترنت، عشان هيك لازم أستنى حدا ييجي يخطبني ويحبّني وأحبّه، وخلّتني أوعدها وعد شرف إني ما أرجعش أفوت.
- وإنتِ شو رأيك بحكيها؟
- أنا وافقت معها، ووعدتها وعد شرف ما أرجعش أفوت. بس…
- بس شو؟
- صارت هيّي تفوت!
- …
- أخدت الاسم والعمر اللي أنا اخترعتهن، وصارت هيّي، كل ليلة تفوت! Continue reading
رسالة إلى الرجل
كما في كلّ عام، عاد يوم المرأة العالمي ليستفزّني، واكتشفتُ أنني حتى اليوم لم أستطع تحديد مشاعري تجاهه. فأنا كامرأة لا أشعر أنّ هذا اليوم يمثّلني بشيء، بل أشعر به يرسّخ من دونيّتي! فلماذا أنا بحاجة إلى تاريخ محدّد في قالب التقويم السنوي، يشبه اعتذار رفع العتب، كي يتذكّر العالم قيمتي كإنسانة ومرأة وأنثى؟ لكنّني، خلال متابعتي لصفحات الانترنت المشبعة بالاحتفالات في هذا الحدث الجلل، لم أستطع منع نفسي من التأثر بما يجري حولي، حتى وجدتُ نفسي في النهاية أخطط للاحتفال فعلا، لكن.. مع الجنس الآخر.
وقلتُ في نفسي، لا يمكننا، نحن النساء، أن نحتفل، دون الرجال، فقد يكونون هم تلك النكهة اللذيذة التي تنقصني في كعكة هذا اليوم البهيج.
خلفيّة
كمحاولة لتأسيس نصّ الرسالة إلى الرجل، قررت الاستعانة بمن حولي من رجال، وسألت بعضًا منهم: ماذا كنتم تريدون أن تسمعوا من المرأة في يوم المرأة العالمي؟ فلم يجبني أحد منهم إجابة واحدة كاملة. تهرّبوا جميعًا من هذه المهمّة البسيطة، وبدا لي أنّ الرجل قد لا يعرف حقا ماذا يريد أن يسمع من المرأة في هذا اليوم. وربّما كان يخشى إن فتحت فمها ألّا يخرج منه سوى كلمات العتب واللوم، جراء ما تعانيه طوال أيام السنة، ربّما.
بعد تلك المحاولة الفاشلة لاستخراج شيء مفيد من الرجال حول الموضوع، صمّمت أكثر على كتابة رسالتي إلى الرجل، ولكن قبل فعل الكتابة، قررت فعل شيء آخر، يشبه المؤامرة: معايدة الرجال.
لا أنكر أن هنالك ثلاث نساء اتصلت بهنّ لأخبرهنّ جملة واحدة تلخّصت هكذا: في يوم المرأة وجدتُ المناسبة لأقول لكِ كم أنتِ عظيمة.
بعد أن قمتُ بواجبي العاطفي تجاه النساء الثلاث اللواتي أثرن بي كثيرًا في العام الماضي، باشرتُ بتنفيذ مؤامرتي البريئة، واخترت عشرة رجال، من أصدقائي وأقربائي، لهم مكانة خاصّة في قلبي، وقمت بمعايدتهم الواحد تلو الآخر، مرسِلة لهم رسالة نصّية قصيرة على هواتفهم الخلوية، “كل عام وأنتَ بخير في يوم المرأة”.
ردود الفعل تنوّعت، ويمكن تلخيصها كما يلي:
- أوّلهم لم يشعر بشيء حيال الأمر، لأنّه في الواقع اعتقد أنني أرسلتُ له الرسالة خطأً، فصحّحني طالبًا مني إرسالها إلى الـ “مرأة” المطلوبة.
- رجل آخر، حنون جدا، شعر فورًا بالذنب تجاهي، لأنه ظنّني أعايده قصدًا ليخجل من نفسه كونه لم يعايدني أوّلا بما أنني أنا المرأة هنا، وليس هو.
- رجل آخر، بدا أنه شعر بإهانة، وظنّني أمازحه مزحة ثقيلة، فردّ عليّ: “شو مفكّرتيني مرا؟”، فلم يسلم من شرّي طبعًا وشرحتُ له كم كان سينال من شرف لو كان “مرا” فعلا! فاقتنع دون جدال كثير.
- بقيّة الرجال ردّوا بلباقة متمنّين لي الشيء نفسه.
- فعلى سبيل المثال، أحدهم ردّ عليّ: “كل عام وأنتِ أجمل مرأة” – نعم يا صديقي الحبيب، أنا هي.
- وأحدهم، وهو الأظرف دون منازع، ردّ عليّ: “كلّ عام والرجال منكنّ سالمين! ففتاة اليوم إذا تزيّنتْ فتنتْ وإذا ابتسمتْ سحرتْ وإذا طبختْ قتلتْ”، فضحكتُ حتى آلمني بطني.
نعم نعم.. هذه عيّنة رجال في حياتي.
وهم جميلون وظريفون ومحبّون ورقيقون، وهم موجودون في كلّ زمان ومكان، قرب كلّ امرأة.
هكذا هم الرجال أصلًا، لولا هفوات التاريخ البائسة التي سلّمتهم زمام سُلطة قمعيّة، هم بغنًى عنها، فلو كانوا قادرين على التنازل كلّيًا عن هذه القيادة الزائفة اليوم، لفعلوا ذلك دون تردّد. أعرف ذلك، فهم في النهاية لا يريدون أكثر من حياة أكثر حبًّا ودفءًا وأقلّ تعقيدًا، مع نساء أكثر أنوثة وثقةً وأقلّ كآبةً.. أليس كذلك؟ Continue reading
يخافون من الربيع
في بلادي الجميلة، رجال ناقصون عقل، وناقصون قلب، وناقصون حبّ. يحملون عقدة نقص أزليّة تجاه الأنثى. هذه العقدة العجيبة تكبر وتتمدّد وتأكلهم من الداخل، وتُفرغهم من أسرار الحياة وأسرار الفرح، فتقودهم بغباء مقرف إلى تشويه أقدس ما في جسد الأنثى، عساه يصير جسدًا أخرس لا ينبض. أولئك الناقصون لا يعرفون أنّ التشوّه الحقيقي إنما هو داخلهم وفي صميم رجولتهم.
والأنثى في بلادي، بعد أن فقدت بوصلتها الأصليّة الأولى، انصاعت ورضخت وتبنّت ثقافة الشرف المريضة، وصدّقت أنّ ربيع جسدها خطيئة، ونسيت أنّ صوت الرغبة فيها إنما هو صلاة هذه الطبيعة الأمّ، المتجلّية في كلّ وردة حمراء تنبت كلّ مرّة من بطن الأرض، رغم كلّ ليالي البرد، باحثة عن شمس وعن سماء، وعن قلب يعرف كيف يحبّ.
لتبقَ ورودكِ حمراءً بهيّة، ولتتفتّح فيكِ إلى الأبد…
عبير خشيبون
العالم العربي المسكين
شباط 2013
تفاحة حواء: مشهد الحبّ الأخير
عزيزتي الأنثى،
لديّ ما أقوله لكِ في هذا اليوم الذي يُنبئ بالربيع.
فالربيع دائمًا يذكّرني بكِ، وبعشبكِ الناعم الذي لم أره بعد ينبت بكلّ عنفوانه.
عشب هذه الأرض ينبت كلّ ربيع، وأنتِ، منذ أن جئتُ أنا إلى هذه الحياة، أراكِ تعيشين سنوات عمركِ في خريف يطول ولا يأتي بعده مطرًا، ولا ينبت بعده عشبًا. أما سئمتِ تساقط أوراقكِ بلا نهاية، يا عزيزتي الأنثى؟
هل تذكرين كيف بدأت تلك الحكاية؟ حكاية خريفكِ الحزين؟
حسنًا، لنعد إلى البداية… بل لنعد إلى بداية البداية:
قبل أكثر من عشرة مليارات سنة ولد هذا العالم.
قبل أربعة مليارات ونصف سنة، تقريبًا، ولدتْ هذه الأرض التي نعيش على سطحها.
قبل مليونين سنة تطوّر الإنسان الحديث متحدّرًا من أنواع الإنسان القديم، التي تطوّرت على مدى نحو خمسة ملايين سنة حتى تشكّل الإنسان الحديث الذي أنتمي إلى صنفه اليوم، أنا وأنتِ وكلّ بشر كوكبي: الأرض (1).
يا أنثى هذا العالم البشري،
يا رحمتكِ وجمالكِ وعظمتك!
يا سائل الحياة القاني الذي ينبثق من نافذة رحمكِ كلّما اكتمل قمر السماء (2)، يا رحمكِ الدافئ الذي منه خرجنا كلّنا إلى هذا الوجود، يا حليبكِ الحلو الذي يجري فينا من لحظة ولادتنا ويعطينا صحّة العقل والروح والجسد، يا أمومتكِ الحنونة التي هي سرّ تكوُّن هذه البشريّة، ويا أنوثتكِ الشهيّة التي هي لغز كلّ فنون الحبّ، هل تذكرين؟
حول جسدكِ الإلهيّ نُسجتْ أساطيرنا الأولى (2)، هل تذكرين؟
بأمومتكِ، هذه الحكمة الفطريّة المستمدّة من قوانين الطبيعة – والدتنا الكبرى، أدرتِ شعوب الإنسان القديمة. أيّتها الأمّ والأخت والحبيبة، يا من كنتِ دومًا المرجع الأوّل والأخير للإنسان، حتى نحو عشرة آلاف سنة مضت، حتى نشأت مجتمعاتنا البشريّة الزراعيّة، التي بها أدرك الإنسان قداسة علاقته مع الأرض (1).
وهل تذكرين، يا عزيزتي الأنثى، كيف اشتاق شريككِ الحبيب – الرجل، إلى تقليد أمومتكِ المثيرة الأزليّة، فابتكر الأبوّة؟
حينئذٍ ولدتْ مؤسسة الزواج، فالتزم الأنثى والذكر لبعضهما – جنسيًا. هكذا ولدت مؤسسة العائلة بشكلها الحالي.
إلا أنّ الإنسان، الذي أراد معادلة أخرى لصراع البقاء، لم يلبث أن وقع في وهم ملكيّته للأرض، طامعًا بالخلود، فكما ابتكر الأبوّة، كذلك التوريث (3).
هذا صحيح أنّ مؤسسة الأسرة بكلّ مركّباتها (الالتزام الجنسي + ملكية الأرض + التوريث) قد أظهرت طمع الإنسان بالحبيب، بالنسل وبالأرض، إلّا أنني أريد أن أعترف لكِ بنظريّتي الشخصيّة حول هذين الجنسين:
رغم كون الأمومة هي يقين الطبيعة، والأبوّة علاقة مكتسبة في الإنسانيّة، لكنّني لا أشكّ أبدًا أنّهما معًا تقدران على أن تكونا قوّة عظيمة لا يهزمها شيء.
نحن البشر، أنثى وذكر، لا يهزمنا شيء في هذا العالم، حين نكون معًا. كيف نُهزم والحبّ صلاتنا وغذاءنا وغذاء صغارنا؟
لكنّنا، يا عزيزتي الأنثى، في الحقيقة، هُزمنا.
قبل خمسة آلاف عام، حين نبتت في تاريخ البشريّة حكاية الله، هُزم الإنسان، وبدأ خريفكِ الحزين هذا، ولم ينته حتى الآن.
هل تعرفين حكاية الله؟
اسمعي اسمعي:
وْلاد ومرتديلا وبسّة
ولد: يعني إنتِ كيف بتحبّيش تسوقي سيّارة؟
أنا: أنا هيك بحبّش أتعامل مع آلات، بحبّ أتعامل مع كائنات حيّة.
بنت: ولك هاي بتوكلش مرتديلا، ولا لحمة، ولا إشي.
الولد: إيش يعني؟ يعني إنتِ نباتيّة؟
أنا: مزبوط، وهاي أصلا ما إسمهاش مرتديلا، هاي إسمها حيوانات.
بنت تانية: كيف لو تعرفي إنه في بلاد برّا بوكلوا مرتديلّة حصان؟!
أنا: …
البنت الأولى: حصان؟! لأ الحصان حرام، بس مرتديلة خروف آه، يعني مهو أصلا طيّب، والجاجة كمان، مهو الله خلقها مشان تبيضلنا ومشان إحنا نقلي بيض…
أنا: فش حدا خلق حدا مشان يوكله حدا.
الولد الأوّل: يعني إنت إيش بتوكلي بحياتك؟
أنا: كلّ الخضراوات والفواكه والحبوب والأعشاب…
البنت الأولى: وهاد كلّه لإنك بس بتحبّي الكائنات الحيّة؟
ولد تاني: طب أنا هديك المرّة قتلت بسّة!
أنا: شو؟ ليه يعني؟
الولد التاني: قتلتها بالنقّيفة بنصّ راسها، ولو تشوفي كيف صار دمّها ينطرش من راسها (بيضحك).
أنا: …
الولد التاني: (بعدُه بيضحك).
أنا: (تطلّعتْ حواليّي ولقيتهن كلّهن بيضحكوا، تركتهن وقمتْ أبكي عالبسّة اللي ماتت بدون ما حدا فيهن يشوفني. وهنّي كمّلوا ضحكهن).
هذا الحوار مستوحى من حوار دار بيني وبين أولاد في عائلتي، وكتبته بدافع من الحبّ الكبير لهم، والاحترام الأكبر لعقولهم الوسيعة، ولأنني لا أفهم كيف يمكن لطفل أن يستمتع بقتل كائن حيّ فقط لأنّه أقوى منه، ففكرة شرعيّة تسلّط القويّ على الضعيف ببساطة تُرعبني، لأنّ أيّ طفل في هذا العالم لن يكون دائمًا هو القويّ في كلّ علاقاته التي يعيشها. ولأنني مقتنعة أن البشر في ثقافتهم السائدة قد رسّخوا علاقة التسلط والقمع بين القويّ والضعيف، بدل علاقة الحماية والأمان، التي يحتاجها كلّ طفل. كتبت الحوار لأنني مقتنعة أنّ مجتمعنا كلّه (بمؤسساته وأديانه) لا يجيد تربية الأولاد على المحبّة الحقيقيّة والإحساس بالآخرين بدرجة تكفينا لنعيش بأمان وسلام ودون عنف أو عنصريّة، والأهمّ من كلّ هذا، كتبته لأنني أجد الأطفال، كلّ الأطفال، هم أمل التغيير الذي نحتاجه دون شكّ، في عالم أًغلقت فيه عقول الكبار.
* * * * * Continue reading
يوميّات طفولة 6
الطفلة: عمّو الشوفير، رجّع ع هديك الغنويّة!
السائق يعيد الأغنية السابقة في الكاسيت، فينساب اللّحن الحزين ثانيةً في باص المدرسة، الذي يحملنا إلى بيوتنا بعد يوم دراسيّ صاخب.
السائق: بتحبّوا الحزن؟!
الطفلة: آه بحبّ الحزن!
السائق: في حدا بالعالم بيحبّ الحزن؟
الطفلة: يا عمّو الشوفير كلّ البنات بهادا العالم بيحبّوا الحزن!
السائق: هاي عندك المعلّمة إسأليها..
الطفلة: معلّمة! بتحبّي الحزن؟ Continue reading
حيفا أحلى
أحبّ هذه اللحظة! لحظة انفصال عجلات الطائرة عن أرض المطار. أحبّ هذه اللحظة!
ترتفع الطائرة، يميل الجناح ويميل بموازاته مقعدي، ولا اُبعد عينيّ عن النافذة الصغيرة. يصير العالم الذي درسناه صغيرًا في حصص الجغرافيا مجرّد خريطة واحدة كبيرة، ثلاثيّة الأبعاد. عمّان.. البحر الميّت، بلادي، شاطئ المتوسّط. تبتعد الطائرة حتى تختفي الأرض، ونصير كلّنا مجرّد حبّة غبار فوق البحر اللامتناهي.
* * *
سألتني المسافِرة اليهوديّة التي جلست إلى جانبي: “ماذا أنتِ فاعلة في مونتريال؟”، قلتُ لها إنني ذاهبة إلى هناك من أجل الاحتفال برأس السنة مع صديقة لم أرها أبدًا، وأعرفها من خلال الانترنت منذ سبع سنوات ونصف”، فكانت مدهوشة حدّ الصدمة، ولم تصدّق ما يحدث معي، فشعرتُ أنني شخصيّة داخل حكاية خياليّة جدا، يبالغ مؤلّفها في كتابة أحداثها. حين وصلتُ إلى هناك، صديقتي كانت أجمل بكثير ممّا صوّر لي الانترنت، وبدأنا عهدًا جديدًا من صداقتنا.
سألني الناس هناك كثيرًا: “من وين إنتِ؟”، فقلتُ فلسطينية. سألوا: “ساكنة في الأردن؟”، فأجبتُ بلا. تكرّرت الأسئلة: “في كندا؟ – في لبنان؟ – في سوريا؟”، فأجبتُهم دائمًا: “لا، في فلسطين”، وهنا، أسئلة من نوع آخر تكرّرت: “عايشة في القدس؟ – في غزّة؟ – في بيت لحم؟”، “لا، خلقت في حيفا، وأصلي من الجليل”. دهشتهم كانت في البداية عفويّة وطفوليّة، “حيفا اللي مع إسرائيل؟!”، ثمّ صارت محزنة، “يعني كيف عايشين إنتو هناك؟ يعني في فلسطينيّة عايشين بقلب إسرائيل؟”. هل نحن غرباء إلى هذا الحدّ في عقول العرب في العالم؟
لا أحد يعرفنا؟
لا أحد يعرفنا.
صديقتي كانت تستمع إلى كلّ تلك الأسئلة البديهيّة، وتبتسم. ثمّ صارت كلّما سُئلتُ تقول لهم: “يمكن هاي عاشر مرّة بتنسأل هاد السؤال!”، فكنتُ أقول لها دائمًا “معليش”. واكتشفتُ إنني أحبّ التكلّم عَنّا. يجب أن يعرفوننا، وجودنا مهمّ في هذا العالم، عليهم أن يعرفوا من نحن. Continue reading
عام آخر
في استقبال العام الماضي كنت ممتنّة لكلّ شيء حولي، لكلّ شيء أحبّه ويحبّني في هذا العالم.
في بدء هذا العام ما زلتُ ممتنّة، ولكن.. لنفسي فقط.
بعد أن قرأت مذكّراتي قبل عام، شعرتُ أن الحياة التي تسكنني، هي ما تثير بي شعور الامتنان اليوم.
هل تعرف أيّها الإنسان كيف تكون ممتنّا لنفسكَ؟
هل تعرف كيف تقول لكَ كلمة شكرًا؟
يعلّمونكَ في المدرسة والجامعة والحياة كيف تكون مسطرة، تقول كلّ ما تقول وتفعل كلّ ما تفعل في المكان والزمان والمعطيات المناسبة بدقة لا متناهية، ولكن هل تعلّمتَ يومًا أن تقول شكرًا لنفسكَ؟
هل شكرتَ نفسكَ يومًا فقط لأنكَ حيّ في هذا الكون؟ فقط لأنكَ موجود؟ فقط لأنّ روحًا داخلكَ تدفعك بقوّة سحريّة لتتنفّس وتمشي وتفرح وتبكي وتنام وتحلم؟ Continue reading
نحن والنهر
- حين تعودين كما كنتِ، ستجدينني هنا، كما كنتُ دومًا.
- لا شيء يعود، لا يمكن لنا أن نعود كما كنّا.
- هل أخطأتُ معكِ إلى هذا الحدّ؟
- ليس الأمر هكذا. ببساطة، لا يمكننا أن “نكون” مرّتين.
- لم أعد أعني لكِ شيئا! فهمتُ قصدكِ الآن.
- لم تفهمني. لست أنتَ المسألة، أو أنا، إنّه ذلك البُعد الذي ننسى وجوده أحيانًا، والذي يلدنا كلّ مرّة من جديد، إنّه الزمن.
- لا أعرف. أنتِ الآن تصدرين حكمكِ وحدكِ، على ما كان لاثنين، ويبدو أنكِ تصرّين على تحطيم كلّ شيء جميل بيننا.
- أنا لا أجيد الحكم على أحد ولا أحطّم شيئا. يداي الصغيرتان عاجزتان عن هذه الذنوب. إنّ الحطام حولي وداخلي، أنا فقط أضيئه لكَ كي تراه.
- أنتِ تؤلمينني وتظلمينني. Continue reading
يوميّات طفولة 5
الطفلة: مرّات بيصير قدّامي إشيا، بيعملوها الكبار، أخوتي الكبار متلا، أو إمي، أو أبوي، بيساووا إشيا، بفكّر فيها، بدوّرها بمخّي، بدوّرها كتير، وبكتشف إنها غلط.
أنا: إشيا متل شو؟
الطفلة: متلا أخوي خاطب وحدة، بس إسا تعرّف ع وحدة تانية وبيحكي معها عالتلفون وبيقلّها بحبّك وبعرفش إيش! وبتتصل فيه خطيبته بيقلّها مش فاضي، بيسكّر وبيرجع لهديك!
أنا: معك حقّ. طيّب إنت قلتيله إنه هالشغلة غلط؟
الطفلة: قلتلله. فش فايدة. وإمي كمان لما تعمل إشي غلط، بقلّها، وأبوي كمان. أنا بضلّ أفكّر فيهن، وبأغلاطهن، وبنصحهن، بس فش فايدة!
أنا: ليش فش فايدة؟
الطفلة: لأنه هيك! دايما هيك! كلّ ما بحكي شغلة، بيقلولولي بعدك زغيرة!
أنا: هو يعني إنت زغيرة فعلا، بس كمان حاولي تفهمي موقفهن، يمكن هنّي بيكونوا خايفين يواجهوا الحقيقة؟ Continue reading
يوميّات طفولة 4
أنا: بدّي أسألك شويّة شغلات مشان أتعرّف عليكِ أكتر، بينفع؟
الطفلة: (هزّت برأسها موافقة).
أنا: مين أكتر حدا بتحبيه في البيت؟
الطفلة: أخوي الزغير بصف أول، وإمي.
أنا: حلو كتير. طيب في إشيا بتضايقك في البيت؟
الطفلة: فش اشي مضايقني. ولا إشي، أصلا فش كتير شغلات، بس جلي، تكنيس، مسح، نشر غسيل، طوي غسيل، يعني هيك.. فش كتير بس هدول، يعني شوية شغلات بس.
أنا: طب شو إنت بتحبّي تعملي في البيت؟
الطفلة: بحب أشتغل في البيت.
أنا: وبعد ما تخلّصي شغل البيت؟
الطفلة: بنيّم أخوتي الزغار.
أنا: وبعد ما يناموا شو بتحبّي إنت تعملي؟
الطفلة: ممممم مرّات بيطوّلوا تا يناموا.
أنا: طيّب وشو بتعملي معهن لمّا يطوّلوا؟
الطفلة: بحكيلهن قصة.
أنا: عن جد؟ قصة شو؟
الطفلة: في قصص، بس أكتر إشي قصة ليلى الحمرا. أختي الكبيرة كانت تحكيلي اياها وأنا زغيرة. وإسا صرت أحكيها لأخوتي الزغار، وهنّي بيحبّوها.
أنا: أكيد أخوتك الزغار بيحبّوكي، لأنك بتديري بالك عليهن كتير. صح؟
(سكتت، نظرت نظرة متسائلة وهزت برأسها علامة الإيجاب – بشكل غير إرادي)
أنا: وإنتِ مين بيدير بالُه عليكِ؟ Continue reading





























